الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

225

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

من غير باعث عليه وإن أطلق الموسع في المقام على ما يعم ذلك في كلام بعض الأعلام إلا أنه تعسف ركيك قوله فلا خلاف فيه إذ لو لم يدل الأمر إلى آخره قد عرفت أن قضية ما ذكره جماعة منهم وقوع الخلاف في الضد العام أيضا وذهاب جماعة منهم إلى نفي الدلالة عليه بل يعزى القول به إلى جماعة من الأساطين فدعوى نفي الخلاف فيه معللا بالوجه المذكور غير متجه وكذا الحال في تنزيل المصنف الخلاف فيه على الخلاف في كيفية الاقتضاء من كونه على وجه العينية أو الاستلزام فإنه لا يوافق كلامهم ولا ما حكوه عن الجماعة فإن المحكي عنهم نفي الاقتضاء بالمرة ومع ذلك فلا يكاد يظهر ثمرة في الخلاف في كيفية الاقتضاء بعد تسليم أصله ولا يليق إذن بالتدوين في الكتب العلمية وما نرى من الخلاف منه فإنما هو بتبعية الخلاف في أصل الدلالة حيث يقول بعض القائلين بالدلالة بثبوتها على وجه العينية وبعض آخر بثبوتها على وجه الاستلزام فبينوا ذلك عند بيان الأقوال في تلك المسألة من غير أن يعقدوا لذلك بحثا بل إنما ذكروه في عداد الأقوال الحاصلة في الخلاف في الاقتضاء وعدمه هذا والظاهر أن مراد من قال بنفي الدلالة في المقام هو ما قدمنا الإشارة إليه من أنه ليس في المقام سوى إيجاب الفعل من غير حصول تكليف وحكم آخر وراء ذلك لأن القائل المذكور يقول بجواز ترك الواجب حتى يقال بخروج الواجب إذن عن كونه واجبا وسيأتي تفصيل القول فيه إن شاء الله قوله عين النهي عن ضده في المعنى كأنه أراد بذلك أنه عينه بملاحظة ما يتحصل منه في الخارج فإن الأمر الحاصل من إنشاء الأمر بحسب الخارج هو الحاصل من إنشاء النهي عن ضده وإن اختلفا في الصيغة بل وفي المفهوم الحاصل منهما في الذهن ضرورة أن المفهوم الحاصل في الذهن من افعل غير ما يحصل من النهي عن تركه غير أن المتحصل منهما في الخارج أمر واحد ألا ترى أنك لو قلت افعل هذا الشيء مثلا ولا نتركه كان مؤدّاهما أمرا واحدا وإن اختلفا بحسب المفهوم المنساق من اللفظ فإن هذا القدر من الاختلاف ضروري لا يكاد ينكره عاقل قوله لو دل لكان واحدة من الثلاث ملخصه حصر الدلالات اللفظية بحسب الاستقراء في الثلاث وقيام الضرورة بانتفاء الجميع في المقام بعد ملاحظة مفاد الأمر بالشيء والنهي عن ضده وما ذكره واضح فدعوى الدلالة اللفظية في المقام لو ثبت القول به حسبما يدعيه المصنف فاسد جدا قوله أما المطابقة فلأن مفاد الأمر إلى آخره يفيد ذلك كون الوجوب معنى مطابقيا للأمر وليس كذلك إذ لا ينحصر مدلوله في إفادة مجرد الوجوب والظاهر أن مقصوده كونه معنى مطابقيا للهيئة إن قيل بتعلق وضع لها بخصوصها أو نزل الوضع المتعلق بتلك الكلمة منزلة وضعين حسبما مر بيانه وفيه أيضا تأمل وقد مر الكلام في نظيره ويمكن أن يقال إن البحث في المقام لا يدور مدار لفظ الأمر وإنما المقصود دلالة إيجاب الفعل على تحريم ضده فالمطابقة إنما يلحظ بالنسبة إلى ذلك قوله ما سنبينه من ضعف متمسك مثبتيه يمكن أن يقال إن ضعف متمسك القوم وعدم وجدان دليل آخر عليه لا يدل على انتفائه أقصى الأمر أن يقضي ذلك بالوقف فكيف يجعل ذلك دليلا على عدم الاستلزام ويدفعه أن عدم وجدان دليل صالح عليه بعد بذل الوسع فيه ووقوع البحث عنه بين العلماء في مدة مديدة يفيد الظن بعدمه فيكون ذلك دليلا ظنيا على انتفائه وفيه أنه لا حجية في الظن المذكور في المقام إذ المفروض خروجه عن المداليل اللفظية مما يكتفي فيها بمطلق المظنة فالأولى أن يقال إن المستند بعد انتفاء الدليل على الاقتضاء المذكور هو أصالة عدم النهي عن الضد وعدم استلزام الأمر له فإن الحكم بالاستلزام يتوقف على قيام الدليل عليه وأما نفيه فعدم قيام الدليل على الاستلزام كاف فيه نظرا إلى قيام الأصل المذكور قوله ما علم من أن ماهية الوجوب إلى آخره أورد عليه تارة بأن الوجوب حكم من أحكام المأمور به ولازم من لوازم مدلول الصيغة على بعض الوجوه وليس مدلولا مطابقيا للفظ حتى يعد دلالة اللفظ على جزئه من التضمن بل دلالة اللفظ عليه من قبيل الدلالة على جزء معناه الالتزامي فكيف يعد من التضمن وتارة بأن الوجوب معنى بسيط لا جزء له والمنع من الترك ليس جزءا من مدلوله وإنما هو لازم من لوازمه فهو طلب خاص يتفرع عليه المنع من الترك فلا وجه لعده معنى تضمنيّا وإن سلمنا كون دلالة الصيغة على الوجوب على سبيل المطابقة ويمكن دفع الأول بأنه لو كان المقصود بالوجوب في المقام هو معناه المصطلح أعني ما يذم تاركه أو يستحق تاركه العقاب صح ما ذكر إذ لا وجه لأن يكون ذلك مدلولا وضعيّا للصيغة لوضوح وضع الأمر لإنشاء الطلب أو الوجوب وهذا المعنى أمر آخر يتبع الإنشاء المذكور ويلزمه في بعض المواضع فالقول بوضع الصيغة له واضح الفساد حسبما مر تفصيل القول فيه وأما إذا أريد بالوجوب في المقام هو الطلب الحتمي الحاصل من الأمر بالشيء سواء تفرع عليه استحقاق ذم أو عقوبة فيما إذا كان الأمر ممن يجب طاعته عقلا أو شرعا أو لم يكن كسائر الأمرين فلا مانع من كونه مدلولا وضعيا للصيغة بل هو الذي وضعت الصيغة لإنشائه حسبما مر بيانه في محله وهو عين الوجوب بالمعنى المذكور ومغاير له بالاعتبار ودفع الثاني بما عرفت من أن الوجوب وإن كان معنى بسيطا في الخارج لكنه منحل في العقل إلى شيئين فإن البساطة الخارجية لا ينافي التركيب العقلي فلا مانع من كون الدلالة تضمنية نظرا إلى ذلك وتحقيق المقام أن مفاد الأمر طلب إيجاد المبدإ على سبيل الحتم وأن مفاد الخصوصية المذكورة المأخوذة مع الطلب مما ينتزع عنه المنع من الترك فإن مفاد تحتم الإيجاد على المكلف أن لا يتحقق منه ترك الإيجاد فمفاد المنع من الترك حاصل في حقيقة الإيجاب لا يتأخر حصوله عن حصول تلك الحقيقة وكون حقيقة الإيجاب أمرا بسيطا في الخارج لكونه اقتضاء وطلبا خاصا لا ينافي حصول أمرين به لوضوح إمكان حصول مفاهيم متعددة بوجود واحد بسيط في الخارج سيما إذا كان ذلك الأمر البسيط منحلا في العقل إلى أمور كما هو الحال فيما نحن فيه لوضوح انحلال الوجوب في العقل إلى الطلب المشترك بينه وبين الندب والخصوصية المفروضة المعبر عنه بكون ذلك الطلب على سبيل الحتم والإلزام أو عدم الرّضا بالترك أو المنع من الترك ونحوهما مما يؤدي مفاد ذلك فالحاصل في الخارج طلب بسيط خاص وهو مرتبة من الطلب بالغة إلى حد الإلزام والتحتم لكنه منحل عند العقل إلى الأمرين المذكورين ولذا يكون الأمر الثاني حاصلا في مرتبة حصول الطلب المذكور من غير أن يتأخر عنه في المرتبة فلو كان ذلك من لوازمه والأمور الخارجة عن حقيقته كما توهم لم يثبت له في مرتبة ذاته لوضوح أن الماهية